دكتور عبد العزيز الدوري

70

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

وظهر القدرية يؤكدون حرية الإرادة ومسؤولية البشر عن أعمالهم ، وانتقدوا الحكام بشدة لأنهم يأخذون أموال الناس ويظلمون ويبررون أعمالهم بأنها قدر من اللّه . وقد وقفوا ضد تأكيد الأمويين بأنّ السلطة انتقلت إليهم بمشيئة اللّه ، وكونوا حزبا يعارض الأمويين . ولعلهم عادوا إلى تأكيد فكرة الانتخاب والشورى في الحكم . وظهرت في أواخر أيام الدولة الأموية جماعة المعتزلة ، وربما كانت لها صلتها بالمعتزلة السياسية ، فهي تناقش حوادث الفتنة الأولى على أساس ديني ، وتقف موقفا وسطا ، فلا تعد مرتكب الكبيرة كافرا كالخوارج ، ولا تراه مؤمنا كالمرجئة ، بل تضعه في منزلة بين المنزلتين . - 5 - ولنعد إلى مجرى التطور العام - فالدولة الأموية جاءت نتيجة تفوّق الاتجاه القبلي وانتصار مؤيديه ، فهي منبثقة من أوضاع العرب واستعدادهم . ولئن كان معاوية قد نجح بأن يصبح خليفة فإنّ هذا يختلف عن إنشاء أسرة حاكمة . إنّ رسوخ قدم الأمويين وإنشاء الدولة الأموية مظهر لمواتاة الظروف العامة لقيام مثل هذا الحكم ، ودليل على أنّ الدولة الأموية ظاهرة طبيعية للتطور العام . ومن الطبيعي أن تستمر الاتجاهات السابقة في تأثيرها وفي تصادمها ، في السياسة والإدارة والثقافة - الاتجاه القبلي والاتجاه الإسلامي ، إضافة إلى التطورات الاقتصادية . ولكن اتجاها جديدا أخذ يقوى في الأفق وتزداد تأثيراته حتى صار بمرور الزمن من أخطر الاتجاهات ، ذلك هو أثر الموالي أو العناصر غير العربية في المجتمع الإسلامي . ومما زاد في خطورة هذا الاتجاه أنه خالط الاتجاه الإسلامي ، وأنه اتخذ طرقا مختلفة سياسية واقتصادية ودينية وفكرية كما سنرى . ولنلاحظ مبدئيا أنّ الأمويين أدخلوا القوة في مشكلة الخلافة وأنهم نقلوا مركز الحكم إلى الشام ، فكان لذلك أثر يذكر . لقد بقي الأمويون يمثلون سيادة قريش أمام القبائل ، وتكوّن شعور بأنهم يمثلون السيادة العربية على العجم كما يظهر في الإدارة . وصاروا تدريجيا رؤساء أرستقراطية نامية وهي قبلية صارت تمتلك الأراضي . ومع ذلك فإنّ انقسام قريش حول مسألة الخلافة استمر ، كما أنّ العرب كانوا متباينين في نظرتهم إلى بني أمية .